الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
28
مناهل العرفان في علوم القرآن
حتى وصل إلينا متواترا . . ثم ها هو القرآن نفسه يتوعد كاتميه ويقول : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ . أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ، فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ، وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . و النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « بلغوا عنى ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج . ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » رواه البخاري والترمذي وأحمد . ويقول صلى اللّه عليه وسلم : « خيركم من تعلم القرآن وعلمه » رواه الشيخان . 2 - ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغته العربية هذا هو الإطلاق الثاني المستند إلى اللغة أيضا كما مر . ويراد به تفسير القرآن بلغته العربية لا بلغة أخرى . وغنى عن البيان أن حكمه الجواز بالمعنى الآنف . وإن كنت في شك فهاك القرآن نفسه يقول اللّه فيه لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ . ولقد قام الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه ببيانه العربي خير قيام ، حتى اعتبرت السنة النبوية كلها شارحة له ، ونقل منها في التفسير بالمأثور شئ كثير . ولقد تأثر العلماء رسول اللّه في ذلك منذ عهد الصحابة إلى اليوم ، وها هي المكتبات العامة والخاصة زاخرة بالتفاسير العربية للقرآن الكريم على رغم ما اندثر منها ، وعلى رغم ما يأتي به المستقبل من تفاسير يؤلفها من لا يقنعون بقديم ، ويتلقاها عنهم من يجدون في أنفسهم حاجة إلى عرض جديد لعلوم القرآن والدين . مما يدل على أن القرآن بحر اللّه الخضم ، وأن العلماء جميعا من قدامي ومحدثين ، لا يزالون وقوفا بساحله ، يأخذون منه على قدر قرائحهم وفهومهم . والبحر بعد ذلك هو البحر في فيضانه وامتلائه ، والقرآن هو القرآن في ثروته وغناه بعلومه وبأسراره . قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً .